فخر الدين الرازي
207
تفسير الرازي
أيوب في شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق ، وقد ذهبت امرأته خر ساجداً ، وقال : * ( رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) * فقال : ارفع رأسك فقد استجبت لك * ( اركض برجلك ) * فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها ، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه ، ثم ضرب برجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها ، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً ، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان ، ثم كسى حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والولد والمال ، إلا وقد ضعفه الله تعالى حتى صار أحسن مما كان ، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب ، قال : فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك ؟ قال : بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها ، قال : فخرج حتى جلس على مكان مشرف ، ثم إن امرأته قالت : هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع لأرجعن إليه ، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال وإذا بالأمور قد تغيرت ، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعين أيوب عليه السلام ، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله عنه فأرسل إليها أيوب عليه السلام ودعاها وقال : ما تريدين يا أمة الله ؟ فبكت وقالت : أردت ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة ، فقال لها أيوب عليه السلام : ما كان منك ، فبكت وقالت بعلي ، فقال : أتعرفينه إذا رأيتيه ، قالت وهل يخفى على أحد يراه ! فتبسم وقال : أنا هو ، فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال إنك أمرتيني أن أذبح سخلة لإبليس ، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله تعالى فرد علي ما ترين . الرواية الثالثة : قال الضحاك ومقاتل : بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات وقال وهب رحمه الله بقي في البلاء ثلاث سنين ، فلما غلب أيوب إبليس لعنه الله ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها : أنت صاحبة أيوب ؟ قالت : نعم ، قال : فهل تعرفيني ؟ قالت لا : قال : أنا إله الأرض أنا صنعت بأيوب ما صنعت ، وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليك وعليه جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي ، قال وهب وسمعت أنه قال : لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله تعالى لعوفي مما هو فيه من البلاء ، وفي رواية أخرى : بل قال لها لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك ، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها ، فقال لها أيوب : أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة ، وقال عند ذلك * ( مسني الضر ) * يعني من طمع إبليس في سجودي له وسجود زوجتي ودعائه إياها وإياي إلى الكفر . الرواية الرابعة : قال وهب : كانت امرأة أيوب عليه السلام تعمل للناس وتأتيه بقوته ، فلما طال عليه البلاء سئمها الناس فلم يستعملوها فالتمست ذات يوم شيئاً من الطعام فلم تجد شيئاً فجزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها : أين قرنك فأخبرته بذلك ، فحينئذ قال : * ( مسني الضر ) * . الرواية الخامسة : قال إسماعيل السدي : لم يقل أيوب مسني الضر إلا لأشياء